
حينما وجدتُ صورتك، شعرتُ أنك لم تتحرك قط.. مثلما التقطك الضوء في صيف مضى، بقيت تنتظر العابرين، بقيت تتفرس في وجوه أولئك القادمين من الصحراء البعيدة، يبحثون عن (البرشومي) أعلى (الشفا)، لكنهم يمرقون من أمامك دون أن يتوقفوا!
أتذكر يا جدي الغريب أين كنتَ؟ سأذكرك، رغم يقيني بأنك لم تتعد مكانك البارد حتى الآن، ويقيني بأن هذا الشتاء قتل فاكهتك الشحيحة، وأن المسافرين الصيف القادم، لن يجدوا لديك التين، وسيجدون عذرا فاضحاً لعدم التوقف أمام بسطتك الضئيلة!
كنت يا جدي قد نصبت مظلتك المهترئة بجانب مسجد صغير، بحمامات قذرة جداً، أظنك ما زلت تذكر الجيب (لاند كروزر) الرمادي، الذي توقف بجانبك ذاك النهار، ونزل منه رجل وزوجته أولئك كانا أبي وأمي.. في الحقيقة لا أذكر ما إن كانت تلك رحلة أخي الأخيرة معنا، إذ أنه منذ سنوات كبر جداً، ولم يعد يراقفنا في أسفارنا، لكنه كان معنا في تلك الرحلة، نزل مع والدي، هو يشبه والدي قليلاً، أما أخي الصغير (عبد الرحمن) فقد كان أصغر من أن يصلي مع الرجال.. كان أصغر من أن يصلي، لذا بقيتُ أنا في السيارة من أجله، حتى تعود والدتي..
حسناً، أنا أعتذر عن كل هذه الثرثرة، فما نحن جميعاً إلا (كومبارس)، وربما من الأجدى أن تعرف ما حصل على وجه التحديد!
لم يكن الأمر صدفة يا جدي! أنا أعترف لك الآن.. لقد طلبت (أروى) من والدي أن يوقف السيارة بطريقة معيّنة، لستُ متأكدة مما إذا كانت قد باحت بنيتها له، أما أنا فقد علمتُ مأربها منذ البداية! يسوئني يا جدي أن أخبرك أنها كانت الرحلة الأولى، منذ اتجاهها لعالم التصوير، فما كنت أنت سوى تجربة لمدى قدرتها على التقاط وجوه الغرباء!
ربما تدرك الآن أسرار الهمس الذي تبادلته مع أختي، كما أنه يساورني شك بأن الهواء حمل إليك بعضاً من تواطئنا من خلال النافذة المفتوحة. لعلك لم تعرف ما الذي كنّا ننويه، خصوصاً أنه يتضح من هيئاتنا أننا من (الرياض)، و”بنات الرياض متوقع منهن أي شيء”! هكذا تخبرني صديقتي (الشرقاوية) عن نظرة الآخرين لنا..
ما أريد أن أسألك إياه الآن، وليقيني بأنك لم تتحرك من مقعدك البلاستيكي حتى اليوم، هل توقعت أن تكون هدفاً لضوء خاطف، يطبع ملامح وجهك للأبد؟!
تنويه لالتباس أتحمل مسؤوليته: الصورة ليست لجدي، إنما لرجل غريب يبيع الفاكهة في الطائف..
منصور، مدينة لك بإحياء ما كان ميتاً!