غرفة خلفية » 2003» مارس

أرشيف شهر مارس 2003

بغداد.. تتكئ على حزنها

1 مارس 2003

الليلة غيهب ..
دجلة ينزف ببذخ ..
يبث بغداد وجعه .. ثم يبكي على كتفها ..
ترفع رأسها .. ترقب الأفق .. موعودة بالحزن بغداد .. أينما ثُقِفت !! ..

العقرب الكبير .. يطعن الثانية عشرة .. بينما يغافل الصغير الواحدة ، لينال منها على حين غرّة !
و ذاكرتي تتسرب
تقطر .. قطرة .. قطرة ..
تملأ الفجوات التي تلبسها الجفاف منذ الأزل ..
فتحيل نتف الضوء إلى ثقوب سوداء .. تلتهم كل النجوم التي تبرعمت على غفلة من الزمن ..

ثلاثة عشر سنة ..
و حزني يعمق في قلبي جذوره .. و (يلد) على سطح حياتي غصنا جديداً .. ميتا !
ثلاثة عشر وجعا ..
و خارطة الجوى تتمدد .. في كل ليلة تبني لها مستعمرة جديدة ..
و تعلن عليّ احتلالاً من ألم مختلف ..
و غدداً دمعية لا ترقأ ..

في روحي ثقب ضخم .. يدعى العامرية .. تطلُ منه ذكرى أمي .. و تزاور عنه الشمس .. خجلا منه ..
كم من العمر أحتاجهُ ..كي يمسح النسيان صورة أمي .. و تستعيد بغداد أساطيرها ؟!!
كم من الدمع سأذرفهُ .. كي تُمحى الخطوط المرعبة التي تركتها جثة أمي في دفتر حياتي ؟!!
وجه غُمِس بالدم ..
عينان يقفز منهما الخوف ..
فم مشدوه .. و يد تائهة ..
و جنين لم يكتمل !! ..
أحد عشر (خريفا) .. كانت كل ما تحمله جعبة عمري ، حين (انصهرت) زارعة الورد ..
و من بعدها ..
تلاشى الورد ..
و تهاوت أحلامي ..
تاهت كل الدروب التي لقنتني .. فرحا ما .. أبجدية الطريق إليها ..
و لم يبق سوى درب محفوف بالشوك .. و الظلام ..

ذات قصيدة ..
أخبرتني أمي ..
أن دجلة أغنية لا تذبل ..
و أن بغداد لوحة لا يتسلل إليها النشاز ..
و نخيل البصرة لا يموت !!
و ذبلت الأغنية ..
و نشزت اللوحة ..
و مات نخيل البصرة !!
و بقيتُ وحدي .. تدخنني الوحدة ، تقتات على الشعلة الخافتة التي تحتضنها أضلاع صدري .. ثم ترميني عقبا مهترئا .. و تدوس عليّ .. و تمضي !!

* * *
أمرّ بميدان الثورة ، و بقايا الهياكل المركونة في أطراف الساحة .. بوجوه تنسكب منها الحياة .. فلا يبقى منها غيرحفر غائرة .. يصرخ منها الموت ، ما زالت تمارس انتظارا مريعا ..
ورقة آبقة من صحيفة ، تصفع وجهي ، وعنوان ( أسود) ضخم :
” فخامة الرئيس يوقع اتفاقية – النفط مقابل الغذاء – ”
- الشعب لا يأكل نفطا يا سيدي !!
أغص بها في داخلي .. و خوف بحجم الحصار من أن تلتقطها أذن (أحدهم) !!
و أمتطي طريقا يفضي إلى حيث آوي لحزني وحيداً ..

* * *
الليلة حالكة السواد ..
و دجلة ما زال يبكي ..
و بغداد ما عادت تملك من أمرها شيئا ..
موعودة هي بالحرب ..
و أزيز الطائرات يملأ سماءها المنهكة ..
(تمطر) قصفا ..
و توقد (جرحا) ..
وثقب (العامرية) يتسع .. يتسع .. ليأوي كل الحزانى !!