غرفة خلفية » 2003» نوفمبر

أرشيف شهر نوفمبر 2003

قارب الميدوز

20 نوفمبر 2003


صوت أخير :

هنا التاريخ يتكوّن من جديد ..
يرسم للبدايات .. نهاياتٍ غائمة ..
و يبعثر الأحلام في جيوب الزمن ..
الطرق لم تعد تفضي إلى روما ..
و هدير الجماهير هجر المدرّج الكبير ، تاركا له الصمت ، و ريحا تعوي في أروقته ..

في عمق هذا (الأطلسي) ، تستقر أوديسة محفوظة بالملح و الظلمة ، لا أحد غير هذا الماء .. و الشمس التي تشتعل على وجهه ، يذكر الحكاية ..
و أنا المدجج بتفاصيل لم تبرح أماكنها الأمامية في مقاعد الذاكرة ..

منذ ستين عاما ، و البواخر لا تعبر هذا الشاطئ ..
تطلّ بأشرعتها من الأفق البعيد ، ثم تغيب في ضباب كثيف ..
و منذ ستين سنة ، و أنا أنتظر الرجوع ..
و (جَنَوى) .. لا تعود ..
تحاصرني برائحة بحرها ، بمينائها القذر .. بصناديق تستقر على ظهور مراكبها و تغادر إلى أراض بعيدة .. و بلدان تصنع الموت ..

(كرستيان) يغني بصوته الأجش ، و ما حولي سوى مساحة زرقاء كالمستحيل ، تتكسر على أقدام الصخر ..
يصرخ بي القبطان لأن أربط الأمتعة و أحملها إلى السفن ، رغم غرقها ..
و نسوة كثيرات يلوّحن بمناديلهن ، و المسافرون ليسوا إلا نوارس تملأ الفضاء بالصخب ..

ما من أحد هنا سواي يا (مانويلا) .. في الأرض الموعودة .. أرض الأحلام .. أنتِ التي أوصلتِني ، ثم تركتِني نهبا للشوارع الخلفية الحقيرة ، و للغربة ..

كل الذين تبقوا ، تلقفتهم الحياة .. مبقية لي فتاتهم لأقتات عليه ..
بالأمس ذهبتُ إلى (فيلبو) ، صديقنا الذي أعطيتِه كسرة الخبز خاصتك ، رغم الجوع و الموت اللذيْن كانا يتربصان بكِ .. - بالمناسبة ، أصبح اسمه (فيلب) بعد أن امتلك نصيبا كبيرا من أسهم شركة لتأجير اليخوت - كان لطيفا معي ، لكن يبدو أني ساهمت في تعطيل بعض مصالحه ، فآثرتُ أن أخرج أثناء مخابرة كان يجريها بواسطة هاتفه الذي لم يهدأ ..

سمعتُ أيضا أن (ماسيمو غوستيني) قد قام ببطولة فيلم جديد ، و دور السينما ما فتئت تعرض فيلمه السابق باستمرار ؛ مازال يحتفظ بوسامته .. و يكتبون كثيرا عن قفشاته ، رغم ذلك تبدو لي باهتة ليست كالتي كان يقولها و نحن في بحر الظلمات ..

لا أذكر أسماء الثلاثة الباقين .. و ما أظنكِ تأبهين ..

* * *

صوت محايد :

أخذ الليل يقتحم الأكواخ بالبرد القارس .. و المواقد لم تعد تبث الدفء ..
ظل شاحب وحيد ، يعبر الطريق ، و يتلمس الجدران المنهكة ..
ثم يختفي وراء زاوية بعيدة ..

مانويلا ؟! عدتِ مبكرا ..
تسللتُ من الباب الخلفي على حين غفلة من الحارس .. كيف هي الأخبار القادمة من روما ؟
” أيها الشعب الإيطالي العظيم .. إن تاريخ إيطاليا يتوقف عليكم الآن .. أنتم الذين ستعيدون مجد روما ” ..
قالها ساخرا ، و مقلدا صوت المذيع الذي سمعه من مذياع معلق في حانة الميناء .. و أردف :
فليذهب مجد روما ، و ليبق مجد اليوفي (1)!
تجنيد إجباري ؟!!
سيجندون الذين يعنيهم مجد روما ..!
و أنت ؟
أنا أشجع اليوفنتوس !

المدينة الغافية على حافة البحر ، استيقظت فجأة ؛ لتمتلئ مصانعها بعاملات صغيرات مكرّسات للموت ؛ و تتكدس السفن بالأسلحة ، بأوهام النصر ، بأحلام الصغار ، و صلوات الأمهات ، بمجرمين فاضت السجون بهم ، فألفوا أنفسهم جنودا يحمون الوطن .. ثم تمخر الماء باتجاه ثقب أسود يستوطن الأفق ..

غدا الميناء محطة لمسافرين يغادرونه ثم لا يعودون أبدا !

وحده (فرانشيسكو) الذي لم يقف بعد في الميناء ليودع أحدا ، أو لتحمله أحد المراكب إلى أرض مجهولة .. و أعداء لم يقررهم هو ..

هيه مانويلا ..! قلتِ بأنكِ لم تجدي فحما إذن؟ ربما أخذوه إلى برلين .. سيحتاجه هتلر ليعيد لهم أمجاد روما .. أما شعب روما فيمكنهم أن يفركوا أيديهم قليلا ، و يناموا بمعاطفهم .. و أن يغلقوا نوافذهم جيدا .. ليحصلوا على الدفء .. و على أحلام لا تكلفهم كثيرا من التحسر ! .. نامي مانويلا .. نامي يا ابنتي ، سنقضي ليلة أخرى في بطن الوحش . نسيت ! .. دانيال أخبرني عن شاب يعمل في الميناء ، قدِم من نابولي الشهر الماضي .. يدّعي أنه أفضل من يطبخ المكرونة ! أخيرا سأتذوق الاسبغاتي ..!

* * *

الشمس الواهنة ، غمرت الطرق بغبش من نور خفيف .. و الضباب ما غادر المرافئ بعد ..
لم ينم الميناء منذ أن رست الباخرة الضخمة بـ حذاء الجرف ..
أوامر القباطنة ، القصيرة و الحادة ، استنفرت جميع الموجودين ، عدا عامل انتبذ مكانا قصيا ، متسليا بتقليم عصا خشبية بنصل صغير ..
انطونيو !
سقط النصل من يده ، على أثر الصوت الأجش الذي ناداه ..
أوه ! .. كرستيان ! .. كنتُ أنتظر من يساعدني في حمل الصندوق ، يبدو أن السماء أرسلتك !
شيء من دفء ، سربته الخيوط الواهية التي أفلتت من قبضة السحاب المركوم ، فارتفع صوت كرستيان مغنيا ..
هيه كرستيان ! .. صوتك سيتسبب في فصلنا !!
لِم لا يتسبب في ترقيتك ؟!
لأن القيادة ستظن أنها مروحية للحلفاء .. !

ثلاث سنوات ، و ثمة حلم تنهش من أطرافه ، الحرب ..
في كل يوم ، يذوي أمل في قلب ما .. بينما يشي الأفق بسواد حالك ..
وهج يخفت .. و طيور تغادر باتجاه اللاعودة ..

في المساء ..امتصت الدروب العمال المنهوكين بالسهر و الأمنيات المبتورة ، بعد أن توارت الباخرة في الحجاب ؛ فخوى الميناء إلا قليلا ..

* * *

صوت محفوف بالتيه :

الساعة التي احتوت رحيله ، كانت تحمل العدد صفر ..
أيامي التي قبلها .. تُحسب بالموجب ، و ما بعد سفره .. تحمل الإشارة السالبة ..
كل الذين رحل بعدهم ، لم يجدهم ساعي البريد ليحمل إليهم أمنيات الأبناء ، و أشواق الزوجات .. لذا أعلنتُ الحداد عليه مذ تلاشت النفثة الأخيرة لمدخنة القطار ..
فجأة وجدتُ نفسي في التيه .. على شفا ضياع .. و بلا أبي !
كل الشوارع حملت ذات العلامات ، و كل الوجوه لبست نفس الملامح ..

بعد استدعائه للتجنيد ، باع كل شيء يخصه ، و سلمني الثمن ..
ستساعدك .. يا مانويلا ..
ما عدا قميص اليوفنتوس ..
ثمة أشياء تستحق البقاء يا أبي .. اتركه لي ..

في محطة القطار ، كان يضحك بصوت عال ، ليكتم بكاءً تفجر داخله ..
هيه مانويلا .. في الوقت متسع للضحك .. و الحياة ما زالت تكفي للغناء .. و الرقص أيضا ! .. أخبري انطونيو أن يجهز الاسبغاتي لي ، لأني سأعود قريبا ..

بعد الصافرة الثالثة للقطار ، ماجت في عينيّ الصور.. لم أعد أرى إلا أطياف هلامية .. و ما عدت أسمع إلا أصوات عويل .. و نشيج بعيد ..

لا أذكر كم من العمر مضى ، لكن يبدو أن زمنا طويلا اجتازني قبل أن ينبهني عامل صغير إلى أن وقت إغلاق المحطة قد أزِف ..
برد ديسمبر ، و كتلة السديم الهائلة اللذيْن اعترضا خروجي من المحطة ، أخطراني بأن عليّ أن أبحث عن أفق جديد أعتمده مشرقا لشمسي المُنهكة ..

* * *

احتفظت بالرسائل التي شرعت بكتابتها لأبي كل فجر ، في كيس قماشيّ ، لم أكن أعلم كم عددها ، كنتُ أتحاشى الزمن و التاريخ .. و أنام دون أن أنتظر الغد المفرغ من الآمال ..
مائتين و ثلاثون رسالة ؟!! من سيحملها إلى فرانشيسكو يا مانويلا ؟!!
لا أحد ..
إذن لِم تحتفظين بها ؟
قد يعود يوما .. فيجدها ..
كنتُ موقنة أنه لن يعود ، رغم أن انطونيو يحاول منحي قليلا من شمس في ظلمتي المستعرة ، برواية قصص عن سفن رست بالميناء مؤخرا ، محمّلة بآلاف الجنود الذين عادوا ، كنت أعلم أنه يختلقها .. و أن ما من سفن في الميناء ، سوى تلك المغادِرَة .. أما السفن القادمة ، فلم تكن تأتي أبدا ..

مانويلا .. سيأتي .. أنا متأكد من ذلك .. ستنتهي الحرب قريبا ، هكذا سمعتُ اليوم .. فرانشيسكو يحب الحياة ، و يحبك .. و حتى لو لم يكن يحبك .. فهو لن يموت .. لأن اليوفي يتصدر فرق الدوري .. صلّي من أجل بقائه .. و لا تبكي .. أرجوكِ لا تفعلي ذلك ..! و بمناسبة ربحي خمس سنتات إضافية اليوم ، سأشتري لحما ، لأطبخ (لازانيا) .. سنعيش إحساس المترفين اليوم ..!

ابتسمتُ دون أن أدرك تماما ما الذي يقوله .

* * *

شاهد عيان :

الطرق مكسوة بالجوع ، بمستنقعات موبوءة ، و بأطفال لفظتهم الأكواخ التعيسة ..
في الصحاري الأفريقية البعيدة ، تتبخر أمنيات العودة ..
و محطات القطار ، و الموانئ امتلأت بأوهام اللقاء ..

انطونيو .. ابحث لي عن أرض أخف قسوة من هذه ! .. لم تعد إيطاليا وطنا ..!
الأرض أضيق من أن نجد وطنا جديدا ..
دعنا نحلم بأن ثمة مكان سيحتوينا، بأن ثمة زمن ملون .. أن ” في الوقت متسع للضحك .. و الحياة ما زالت تكفي للغناء .. و الرقص أيضا ” ..
مانويلا .. الأحلام غدت ترفا ينبغي لنا أن لا نمارسه !
أمريكا .. ستكون أبعد من أن تلحقنا آلامنا إلى هناك ..

الهجرات التي توارت في بطون السفن ، أخذت تمخر عباب الأطلسي ، محفوفة بالموت .. و بالرجاءات الواهية بالخلاص ..

خمسون ليرة ، و نحملك إلى خارج المتوسط ..
و بعد (المتوسط) ؟
ثلاثمائة ليرة إضافية للوصول إلى سواحل أمريكا ..

* * *

باعت الكوخ بما فيه ، و أشياءها الصغيرة .. لم تبقِ سوى القميص ، و الكيس المملوء بالرسائل التي خذلها ساعي البريد ..
كتبت رسالة أخيرة :
” أبي ..
هاهو العمر يتركني في المهب .. نهبا لليباب .. و للأراضي البور ..
أعدك بأني لن أهرب بعيدا ، سأبحث عن وطن للضوء .. و كفى ..

فرانشيسكو مانويلا ، زمن المنفى .. “

و رمتها في الكيس بلا تأريخ ..

خُيّل إليها أنها سمعت بكاءً لا يشبه سوى فرانشيسكو ، أطرَقَت .. ثم امتطت طريقا إلى الميناء ..

الهواء كان ساكنا ، و الليل تعرّى من نوره ، مجموعة تصل إلى العشرين ، كلهم يبحثون عن مرفأ لأعمارهم المخذولة .. لم تستطع أن تتبيّن ملامحهم ، لكن بدا لها أنّ لا امرأة سواها ..

سنتنكر أولا بلباس الصيادين ..

لوهلة ، امتلأ جوفها بالفراغ .. شعرت بأنها على سلم ، لم تدر ما نهايته ، و ما كانت بدايته واضحة ، كانت معلقة بالهواء ، و تحتها هاوية من سواد دامس ..
مانويلا ..
أتى صوت انطونيو ليرتب الأفكار التي بعثرتها الريح .. و ليمنحها قلبا مطمئنا ، و لو إلى حين ..

على مقربة من القوارب الأربعة التي رست على شاطئ بعيد عن الميناء ، وقف رجل طويل ، بملامح غامضة ، و عينين حادتين ، بدا و كأنه قائداً للفرقة التي ستتولى القيادة :
سيستقل كل خمسة منكم قاربا .. و سننطلق قبل أن يطلع علينا الفجر .. يجب أن تدركوا بأن السلطات لن تسمح لنا بتجاوز المياه الإقليمية إن وجدتنا، و قد نتعرض للمساءلة و السجن ..

أخذ الخوف يبني حجراته في القلب ، استعدادا لإقامة طويلة بها ..

.. إن سارت الأمور كما نحب ، فسنصل مضيق جبل طارق في أسبوعين .. و أرجو أن لا يعترض طريقنا عارض .. اركبوا .. و ليباركنا الرب ..

* * *

خمسون يوما مضت ، منذ أن وجدوا من ينقذ أحلامهم التي تُركت بمواجهة مع الموت على ساحل أسباني ناء ، ليودعها عمق مفازة الماء تلك ..!
تكدس القبو الرطب للسفينة الضخمة بمئات المهاجرين الأسبان و البرتغاليين .. و الضوء يضمر شيئا فشيئا ، حتى يتلاشى ..

أحد القوارب الأربعة التي غادرت جنوى، وقعت في مصيدة خفر السواحل ، لتتابع الثلاثة الباقية طريقها غرباً ..
شهر إلا قليلا ، و مضيق جبل طارق لا يظهر ..
طيور الماء تقلصت أجنحتها ، فما عادت السماء تحويها ..
و (المتوسط) بدا بحرا أبديا بلا نهاية ..
انطونيو .. أشعر بغضب أبي ..

عادت النوارس للتحليق بعد لأي ، و ظهرت أطراف لأرض بعيدة ..
صرخ ذو العينين الحادتين :
ها قد أذعن لنا المضيق !
في عنق (طارق) .. ثمة قلق اجتاح العينين الحادتين :
جوزيف .. أكانت البواخر الإنجليزية موجودة في رحلتك السابقة ؟
و غمز بعينه ..
لا يا سيدي .. كان المضيق خاليا تماما ..!
اختفت النوارس ، و نأت أطراف الأرض البعيدة !!
انطونيو .. أبي يبكي !!

* * *

أصوات لانفجارات تأتي من فوقهم ، و من أسفل منهم ، و القبو أبعد من أن يصله خبر ..
سكون أشبه بالموت ، اختلط برائحة العرق .. البول .. و جثث متعفنة ..
المكان لا ينبئ بالوقت ، و الزمن غدا سرمدا لا مخرج منه ..
ساعة .. ساعتان .. أكثر .. و السفينة ترتج في مكانها .. موقدة مراجل للفزع في الصدور المتعبة ..
على الطرف الآخر للقبو ، ثمة بكاء خافت .. حيث أبوين أسبانيين صغيرين .. و رضيع ما جاوز عمره الأيام ..
أصوات ابتهالات متصلة .. و نشيج متقطع .. ثم صرخ الأب :
لقد ماااااااااات !!!

و هدأت السفينة !

* * *

في نقطة غائبة في المحيط ، رُميت الأجساد التي ملأت القبو برائحة اللحم المتفسخ ، و بقيت عشرات قليلة من المئات الذين غادروا أسبانيا أول مرة ..
انطفأ الضوء في الأعين .. و فقد الجميع اللغة التي اخترعوها للاتصال فيما بينهم ..

الموت يمر .. ببطء..
الاحتضار .. أبدي .. و الجوع يفترس البقية بوحشية ..

تسلل خيط نور من الباب الصغير الذي فُتِح :
يقول لكم القبطان بأننا سنصل ميامي الليلة .. فاستعدوا ..

ثم عادت الظلمة تطبق على المكان ..
مانويلا .. مانويلا .. استيقظي .. الحلم يغادر باتجاه الحقيقة .. مانويلاااااا .. مانويلا !!

* * *

صوت أخير .. قد يبدو مكررا :

فعلتُ ما وصيتني به ، دفنتُ قميص (اليوفي) في قبر يجاور قبرك .. و أودعت الرسائل في قوارير تركتها للموج يحملها إلى (فرانشيسكو) ..
أضفتُ رسالة من عندي ، و لتغفري لي .. أخبرتُه فيها أن اليوفينتوس مازال عظيما كما كان ، لقد حصل على الأسكيدتو (2) ست و عشرين مرة .. و قابل الميلان في العام الماضي على نهائي الشامبيونز ليغ (3) ، بيْد أنه خسر ، كنتُ سأكتب له أنه ربما خسر لغياب ندفيد ، لكني خشيتُ أن لا يعرفه ..
لم أكتب له عن الحرب و لا عن إيطاليا بعدها ، كل ما قلته :
” لقد قتل الإيطاليون موسوليني ، فرانشيسكو .. أعتذر لأني لم أكن منهم ..”

مانويلا .. المكان موحش ..

أفتقدك !!