29 مارس 2007

أَعرني قلباً..
لا يَأبه بمواسمِ الهِجْرة.. والخَريف..

لم ذهبت بهذه العجالة؟ لم لملمت نفسك سريعاً، دون أن تترك للمكان فرصة التقاط رائحتك، ولا للذاكرة وقتاً لأن تطبع ملامحك الجديدة في وجهها؟
أخبرتني بأنك سترسل إليّ أيامك مع ساعي البريد، وتخبرني بأنك ستوفي بوعدك هذه المرة، ربما أردت أن تكمل: خلافاً للمرات السابقة، لكن حافلة ما بانتظارك، وإن هي فاتتك، ستفوتك أمور أخرى كثيرة -كما يحصل لك دائماً- فلم تكمل جملتك، وتماهيت مع الوجوه السريعة التي لا تأبه بها الذاكرة..
“أولئك الهاربون منّي، لنْ يفلتوا!!”
زَمجرتِ النّارُ إذْ رَأتهُم يمرقون من فَوْق الصّراط، دُون أَن يسْقطوا..
ثم أتبعَتْهُم بلعنةٍ تحرمهُم مِن لذّة المَوْت..
وحدها النّار تدركُ بعد الشقّة، وعظم العَناء ..
وحدها تدركُ كَم هِيَ الجنّةُ نائِية.. وزَاد الماضِين إليْها شَحيح..
ثمّ أخذت تتغاضى عن بقيّة المَارِقين مِن فَوق الصّراط دُون أَن يَسْقطوا!
أدركتُ البارحة بأني سأموت، أو ربما كنت ميتا وقتها دون أن أعلم. بدا وجهي في المرآة شبحيا، وذقني المهمل منذ شهر، كان نظيفاً، أمّا شعري فظهر مسرّحا بطريقة لا تليق إلا بالموت. لولا صوت الماء الذي ظل يتسرب من الأنبوب المكسور في الحمام طيلة الليل، مجبرا إياي على جرّ رجلي الكسيحة إليها، عبر الممر ذي الإضاءة الرديئة؛ لم أكن لأرى وجهي في المرآة، وحين ذلك لن أدرك بأني ميّت، وسأستمر في صنع قهوتي كل صباح، وأراقب من شرفتي المتداعية الأولاد الذين يلعبون بكرة لا يكفي هواؤها الشحيح في منحها تكورا كاملا. لم يكن للمرآة وظيفة حقيقية في حياتي إلا أن تخبرني بموتي.
أستطيع من هذه الشرفة أن أرى الشارع الذي ستعبر من خلاله جنازتي: ضيّق، وينحدر بشدة إلى الناحية الجنوبية، قبل أن ينحرف يسارا، مكوّما في أسفله كل ما تبصقه المنازل من أقذار. لم تكن تعنيني مطالبات الجيران المستمرة في أن أوقع معهم عريضة دئبوا على تكرار رفعها كل سنة إلى البلدية، مطالبين إياها بإصلاح الشارع الذي يفتقد إلى منفذ تصريف، وفي كل مرة .. لا يتجاوب المسؤولون، وأنا لا أوقع.
كما أني لم أعد أعبأ بابنة جاري التي تزوجت منذ ثماني سنوات، قبل أن تعود إلى منزل والديها بثلاثة أطفال تجرّ أحدهم بيدها اليمنى، و تحمل باليسرى الآخر وحقيبة ضخمة، أما الثالث فقد امتلأ بطنها به. و ما عناني أيضا تلميحات والدها المستمرة، بالخطأ الكبير الذي ارتكبه إذ لم يزوجني من مدللته حين تمنيتُ الارتباط بها قبل 13 عاما.
كل ذلك لم يعد يثير اهتمامي، ولا حتى الأصدقاء، الذين لم يكونوا يوما أصدقاء، ولا الأعداء الذين تزوجوا، وأنجبوا مزيداً من الأعداء.
كل ما يهمني الآن أن أكتم رائحتي، وأن أتحرك من وقت لآخر كي لا يشعر الآخرون بموتي، فيحملني اثنان لا يعرفاني، في الظلام إلى المقبرة دون أن يمنحوني حتى فرصة اختيار الحفرة التي أريدها.
سأحاول أن أحضّر قهوتي كل صباح في الوقت المعتاد، وربما سأفتعل إحراقها بين فينة وأخرى، ليشم رائحتها الجيران، سأرفع صوت التلفاز في أوقات المباريات النهائية، وأمارس صخبا مصطنعا في ليالي الأعياد. لكني لستُ متأكدا ما إن كنت سأتمكن من المشي في الشارع، لأني لا أظن بأن الناس يحبذون رؤية رجل ميت يمشي بينهم.
* * *
هذا يومي الثالث بعد الموت، مازال الجيران يظنون بأني حيّ، وإن لم يكن موتي سيغيّر من الأمر شيئا لديهم. بدأتُ بفقدان سيطرتي على رائحة جسدي الميت هذا الصباح، رغم أنها ما زالت طفيفة حتى الآن، ولم تتجاوز أنحاء شقتي. لم يبق لديّ سوى التفكير بالأمتار الأخيرة التي سأعبرها إلى المقبرة وحيداً، يقلقني أني سأقطعها بلا صحبة، ودون أن يصف لي أحد المشهد القادم، بالحديث عن سهولته، وأن الكثيرين ألْفوه بوابة يسيرة نحو القيامة، وربما وجدوا رفقاء جيدون للرحلة المتجهة إلى المكان الأخير. ربما كان من الأجدر بي، أن أقضي أيامي الأخيرة في البحث عن من يرافقني، بدلا من جرّ قدمي الكسيحة في أنحاء بيتي الخرب، والوقوف البليد في الشرفة دون تذكر الوحدة السحيقة التي تتربص بي حال موتي.
* * *
كنت جازما من أن رائحتي ستشي بي قبل مغرب اليوم الثالث، وأني سأسمع صوت وحيد يخص سيارة إسعاف، تخيلت ملامح الرجلين اللذيْن سيحملاني إليها، قبل أن يدلفا إلى المقبرة في الظلام، ويدسا جسدي المتعفن في حفرة بعيدة عن الباب، لا تسمح لي بالهروب حال ذهابهم. لكنهم بدلا عن ذلك، حملوني إلى المستشفى، وأدخلوني ثلاجة مليئة بموتى يتحدثون بصوت عال، ولا يمكثون طويلا قبل أن يأتي من يتعرف على وجوههم المتغضنة، ويحملهم إلى حفرهم الأخيرة.
تيقنت أن ما من أحد سيأتي ليتعرف عليّ، ففضلا عن أني لم أترك خلفي من سيفتقدني، فإن ما من أحد سيعرفني بوجهي النظيف، وشعري المسرّح جيدا. وتيقنت من أنهم لن يمكثوا طوبلا قبل أن يتخلصوا مني خلسة في الظلام، دون أن يشعر بذلك الآخرون.
ما زالت فكرة الجنازة التي تسير وحيدة .. تثير هلعي
كانت جنازتي في منتصف النهار. والضوء قد ألبس كل التفاصيل في شارعي وضوحا صارخا. رأيتُني في الشرفة أطل على الأولاد الذين يلعبون بكرة لم يمنحها هواؤها الشحيح تكورا كاملا، ورأيتني مع ابنة جيراننا، دون أطفالها الثلاثة. ورأيت الكثيرين من حولي و من خلفي، كلها وجوه أعرفها، وأتقن ملامحها. كانوا يهتفون جميعا بوقت واحد، وكنتُ سعيدا بالجموع التي تندد بالموت لمن أبعدني عنهم، وأنتشي في نعشي الصغير .. يكبر جسدي .. وأهمّ بشكرهم جميعا، قبل أن أجد المقبرة فارغة، والشرطة من خلف الجموع تفرق مظاهرتهم ضد مسؤولي البلدية الذين لا يأبهون لشارع يفتقد منفذاً للتصريف.