غرفة خلفية » 2007» يونيو

أرشيف شهر يونيو 2007

مدينة العمى

25 يونيو 2007

لهذه المدينة أسطورة واحدة، مضى زمن طويل، وصرير أبوابها لا يجترّ غيرها:

“قالت المرأة العجوز :
افتحوا الأبواب على مهل، فربما يخطف أبصاركم الضوء الكامن خلفها..

ثم عُمي الناس من بعدها.”

17 يونيو 2007

Christina's Teapot

Christina’s Teapot - Andrew Wyeth

-الضوء القِلق في نهاية الشارع.. عن ماذا ينبئ؟

- عن شجرة ستسقط.. مثلاً؟

- والشجرة التي ستسقط.. أين سيكون مهواها؟

-ربما على حافة جرف

- جرف عميق؟

- أعمق من أن نرى قعره!

- ما ذا لو استعنّا بسلم طويل لنصل القعر؟

- لن نصل.. لأن لا سلّم يعرف إلى أين سيمتد ليقف على أرض ثابتة!

- نرفعه للأعلى؟

- إلى؟

- إلى القمر المعلّق فوقنا!

- على ماذا نسنده؟

- على نهاية هذا الشارع!

- والشارع الممتد أمامنا.. إلى أين ينتهي؟

- إلى الضوء القلق.. المنبئ عن شجرة ستسقط!

في ذكرى (النكسة)

8 يونيو 2007

 

war 1967

لا ذاكرة لي، لا ذاكرة حقيقية يمكنني الاتكاء عليها، أيقنت بذلك، بينما أمي تتابع القنوات وهي تحيي ذكرى مرور 40 عاماً على النكسة، وتتمتم: أذكرها.. إني أذكرها كما لو كانت خيالاً عابراً.. أذكرنا هناك في (طريف) حمل جيراننا الأردنيون بيتهم في (ددسن) ورحلوا، وأسألها:
كم كان عمرك يا أمي؟
فتضحك ولا تجيب..

“أما أنا فلا أذكر شيئاً”، أقول لها.. دون أن يعنيها الأمر كثيراً.. لكني أعود وأقول:
أنا يا أمي لا أذكر شيئاً!
أصّف بيديّ صوراً في الهواء، وأوضح لها:
ذاكرتي ليست سوى صور مبعثرة، صور كثيرة.. وقبل أن تعتقد أني أعني ألبومات الصور المتراكمة فوق خزانة ملابسها.. أستدرك:
أعني أني أذكر مواقف متجمدة، لكن لا زمن يمكنني ربطها به، ولا أرض تقف عليها.. مثلاً.. اليوم شربتُ من (برّادة) حوش جدتي، كما أفعل في كل مرة أذهب إليها، بإيمان بأن ثمة ما يقدسها في روحي، دون أن أذكر ما هو على وجه التحديد. المرات القليلة التي عبرتُ فيها شارع جرير خلال السنتين الماضيتين؛ سرّبت إليّ حنيناً باكياً لا أعلم إلى ماذا.. رغم أننا لم نسكن هناك يوماً، إلا إذا استثنينا زيارات أيام الأربعاء إلى خالاتي الساكنات في (الملز)..

ودون أن تلتفت إليّ:
كان أزيز الطائرات يملأ سماءنا، كنا نراها فوق بيوتنا، وفوق شوارعنا، بينما والدي وعمي يتناوبان على ضبط موجة الراديو -لا أذكر إن كانت قد قالت أنهما كانا يستمعان إلى (صوت العرب)أو (مونتوكارلو)- لم يكونا خائفيْن، ربما كانا قلقيْن.. خالي انضم إليهما بعد صلاة العصر، وكنت أتردد بين مجلس الرجال، ومجلس النساء.. النساء كنّ خائفات.. أمي وزوجة عمي. دخل أخي على الرجال وسألهم إن كنّا سنرحل عن (طريف) كما فعل جيراننا الأردنيون، لكنهم لم يكونوا يستمعون إليه.. قلتُ: كما تفعلين أنتِ الآن!

تهزّ أمي رأسها وتتابع الفيلم:
- ذاكرة الطفل فيّ نافذة وحادّة.. أذكر أن الحرب انتهت سريعاً، حتى قبل أن يسعنا الوقت للحاق بخالي الذي اتجه ببناته وابنيه جنوباً. رجع جيراننا الأردنيون، أسندوا بيتهم الذي حملوه في (الددسن) إلى جدارهم القديم؛ ثم استأنف والدهم البيع في بقالته، قبل أن تعود ابنتاه إلى المدرسة.. ربما كان عمري حينها…
أحاول أن أسمع، لكنها تخفض صوتها لما دون الهمس، ثم تؤكد:
- نعم.. هكذا كان عمري !

وأسألها:
كم كان عمرك يا أمي؟

فتضحك.. ولا تجيب!
—————————
* (طُرَيْف) مدينة على الحدود السعودية المتاخمة للأردن

7 يونيو 2007

كدتُ استهجن كل الفرح الذي ظلوا يكسون به ملامحهم على مدى أسبوع كامل..
كنتُ على وشك شطب اللونين الأسود والأصفر من منظومة ألواني للأبد..
كنتُ سأستحقر كل ما له علاقة بالدوري والكأس، والأفراح.. كنتُ سألعن الكرة، سألعن بلاتر والفيفا، و(الخطط العلمية المدروسة)!..
وكنتُ على مسافة قصيرة من إرسال رسالة طويلة إلى (البلوي)، من ضمن ما سأقول له فيها: كم أنت ساذج وأحمق، لأنك تتشبث بكرسي رديء، لأربع سنوات قادمة؛ لمجرد أن فريقك الأبله ركض تسعين دقيقة خلف (جلد منفوخ)، ونزف عرقاً كثيراً، وتحمّل إعاقات لاعبي الفريق الآخر، وشتائمهم.. حتى حصل في النهاية على قطعة معدنية تافهة، قام بنحتها شخص قد يكون كل شيء، إلا أن يكون فناناً..
كنت على وشك فعل كل هذا، وأكثر..

قبل أن أحاول استجلاب آخر ذكرى جماعية للفرح لي:
متى كانت آخر مرة انتشيتُ بصراخ هستيري، ثم نمتُ بعدها مباشرة، دون أن أمضي الليل بعد ذلك في لوم نفسي على ارتكابها سخافات كهذه؟
حاولتُ اختراع صورة لرقصة جماعية مع آخرين لا أعرف منهم إلا أنهم يشاركوني حب ما أحب..
إلا أني لم أتمكن من كل هذا، لم أتمكن إلا من إحصاء أفراحي الصغيرة، التي أمضيتها بين جدران غرفتي البرتقالية.. (الآن أفكر:ربما لو كانت بلون سماوي، هل سيكون للفرح مدى أوسع؟) .. لا أذكر سوى رسائل قصيرة تومض في نافذة هاتفي، ليوم أو بعض يوم، لا تحمل في قلبها إلا فرحاً مجامِلاً، قبل أن تعود لظلامها السحيق..

3 يونيو 2007

هل ستعيد النظر بامرأة استثنائية، تتصرف ككل النساء؟

امرأة مهووسة بشأن رشاقتها، ويفسد صباحها أن تجد البثور وقد نبتت على جبينها. تطلي أظافرها بالأحمر أحيانا، وتتلذذ بوضع المكياج على وجهها؛ فتملأ المسافة القصيرة بين نزول أختها إلى الجامعة، ووصولها إلى مقر عملها بتأمل في مرآة حقيبتها، وتعديل ما أفسده الطريق من رتوشها الطفيفة.

أيقلل من شأني إن أخبرتك بأن ثيابي المفضلة هي الفساتين، وأني أحبها بألوان فاتحة، وتميل إلى الِقصر قليلاً؟ فضلاً عن شغفي بالمجوهرات، لحد يغضب أمي إسرافي المال عليها؟

ما الذي يدفعك للاعتقاد بأني قوية، وصلبة؟ إذ يجب علي الاعتراف بأني أبكي، أبكي دائماً، ولأسباب سخيفة وسطحية، ربما يدهشك أني بكيت اليوم لأني لم أتمكن من تسريح شعري كما أردت! وبكيت البارحة لأني لم أستطع النوم!

كما أني أرتكب أموراً غريبة، كأن أهرب إلى سلالم الطوارئ في الأماكن التي أداوم بها، وألوذ بإحدى زواياها المظلمة، ثم أخرج دون أن أفهم لم أمضيت كل ذلك الوقت الطويل داخلها. فعلتُ ذلك في الجامعة، ثم في المكان الذي تدربتُ فيه قبل التخرّج، واليوم وجدتني في سلمّ طوارئ مقر عملي، أمعن في لوحة خضراء تتوهج في الحلكة بكلمة: (مخرج)..